علي الهجويري
354
كشف المحجوب
إني صائم فقال لي لماذا صمت ؟ فقلت له : اقتداء بسيدي فلان فقال لي حيث أنك تريد أن تتخلص من تقليد ، فلا تقلدني لأني بشر أيضا . والصوم هو في الحقيقة الزهد وهو يشمل كل طريقة الصوفية وأقل درجة الصيام هي الجوع الذي هو الامتناع عن طعام الله في الأرض كما أنه ممدوح في نظر الشرع والعقل وصيام شهر رمضان فرض واجب علي كل مسلم عاقل بالغ ويبتدئ الصيام من ظهور هلال أول رمضان وينتهي بظهور هلال شوال كل يوم تلزمه نية صادقة وفروض ثابتة والزهد يشمل فرائض شتي منها حفظ البطن من الأكل والشراب وغيرهما من المفطرات وحفظ العين عن النظر بشهوة والأذن عن سماع الغيبة والنميمة واللسان عن كلام الغفلة والدنايا والجسم عن اتباع ملاذ الدنيا ومعصية الله . فمن صام بهذا المعني كان صائما حقا لأن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال لأحد الصحابة « إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك » وقال صلّى اللّه عليه وسلم « رب صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش » « 1 » رأيت مرة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : في المنام فقلت له يا رسول الله : أوصني فقال « احبس جوارحك » وحبس الجوارح هو كمال مجاهدة النفس والجوارح الخمسة : النظر والسمع والشم والذوق واللمس وهي أبواب المعلومات وأربعة منها يختص كل واحد منها بعضو مخصوص إلا اللمس فإنه منتشر في سائر الجسد وهو معرفة الليونة والخشونة والبرودة والحرارة فالعين محل البصر إلي رؤية الكون واللون والأذن محل السمع أي سماع الصوت والخبر والفم محل الذوق والأنف محل الشم . وكل المعلومات تدخل علي الحس المشترك في هذه الخمسة أبواب إلا الإلهام الرباني والعلوم العقلية . ولكل جارحة صفاء وكدورة لأنها كما هي باب المعرفة والعقل والروح فهي كذلك مفتوحة للخيال والهوي لأنها أعضاء قابلة للتقوي وللمعصية
--> ( 1 ) رواه ابن ماجة عن أبي هريرة .